هل ينبغي الأخذ بمرجعية العقل أم بمرجعية التجربة للوصول الى المعرفة حسب فلاسفة العصر الحديث ؟
إليكم أحبائي التلاميذ أسعدنا استماعكم لنا، ويسرنا أن نقدم لكم عبر موقع « تفوقنا » هل ينبغي الأخذ بمرجعية العقل أم بمرجعية التجربة للوصول الى المعرفة حسب فلاسفة العصر الحديث؟؟ بشكل ملخص وملم في نفس الوقت . مع انتظار تعليقاتكم وأسئلتكم.... ويسرنا أن نقدم لكم الإجابة الصحيحة على السؤال التالي:
سؤال المقالة:
هل ينبغي الأخذ بمرجعية العقل أم بمرجعية التجربة للوصول الى المعرفة حسب فلاسفة العصر الحديث؟
طرح المشكلة : تمتد الفلسفة الحديثة من القرن السادس عشر الى القرن التاسع عشر ، أين ظهر ثلة من الفلاسفة انتفضوا على الفكر المدرسي السائد ؛ وهو فكر كان محصورا بين جدران الكنائس و الأديرة يتبنى المعارف القديمة دون تمحيص شعاره " إعتقد ولا تنتقد " . فظهرت حركة فكرية في أوروبا أعادت للعقل احترامه وللعلم أساليبه ؛ تزعمها في فرنسا ديكارت الذي دعا الى استخدام العقل بعد اتخاذه الشك منهجا له ، للتخلص من وهم احواس والمعارف التي تلقاها ، وتزعمها في إنجلترا فرنسيس بيكون وجون لوك اللذان جعلا من التجربة الحسية مصدرا لكل معرفة . وهذا ما يدفعنا الى التساؤل عن المرجعية الجديدة التي ينبغي الأخذ بها بعد ان تم اسبتعاد مرجعية الفكر السكولائي أو المدرسي وتثمين القدرات الذاتية للإنسان ؛ فهل العقل كقدرة فطرية هو المرجعية الجديدة للمعرفة أم التجربة الحسية باعتبارها نافذة العقل على العالم الخارجي ؟
محاولة حل المشكلة:
الأطروحة : يلقب ديكارت ( 1596 - 1650 ) ب " أب الفلسفة الحديثة " ، فهو رائد العقلانية الحديثة ، لأنه اتخذ العقل المرجعية الوحيدة للمعرفة ، منطلقا من مسلمة أساسية وهي أن العقل قوة فطرية مشتركة بين جميع الناس فقال : " العقل هو أحسن الأشياء توزعا بين الناس ، إذ يعتقد كل فرد أنه أوتي منه الكفاية ... يتساوى بين كل الناس بالفطرة " فهو مزود بمبادئ فطرية هي أدواته ويتبع العقل طريقين لبلوغ الحقيقة ؛ أولهما مباشر يتم دفعة واحدة دون وسيط في إنشاء المعرفة وهو الحدس و به ندرك الحقائق البسيطة كقولنا الكل أكبر من أحد أجزائه ، والثاني غير مباشر وهو الاستدلال وفيه ينتقل العقل من المقدمات او المبادئ الى النتائج . وتوصل ديكارت الى هذا الموقف بعد أن مر بحالة شك في كل ما تلقاه من معارف وهو يُعرف ب الشك المنهجي و هو أسلوب الغربلة الأفكار ليسقط منها الخاطئ والخرافي ولا يبقى إلا ما هو يقيني ؛ فشك في حواسه ، لأنها خادعة و " من الحكمة أن لا نطمئن لمن خدعنا ولو مرة واحدة و شك أيضا في حياته الشعورية عندما لاحظ أننا كثيرا ما نحسب الحلم حقيقة فتساءل ماذا لو كان ما نحسبه حقيقة هو مجرد حلم ، وامتد شكه الى العقل فاعتقد بوجود شيطان ماكر يضلل عقله ويوقعه في الظنون . لكن كيف تخلص من الشك ووصل الى اليقين ؟ هل اعتمد على القياس الأرسطي ؟ طبعا لا ، اعتمد على الرياضيات ؛ فالرياضيات بمبادئها البسيطة ومنهجها الصارم ونتائجها اليقينية تعد الطريق الملكي للفلسفة عند دیکارت " فاستوحى منها منهجا يقوم على أربعة قواعد ، أولها قاعدة البداهة ، وبها توصل الى أول فكرة أخرجته من الشك الى اليقين وهي " أنا أفكر إذن أنا موجود " والمعروفة ب الكوجيتو الديكارتي فقال في كتابه " مقالة في المنهج " : " لاحظت أن لا شيئ في قولي «أنا أفكر إذن أنا موجود يضمن لي أنني أقول الحقيقة الاكوني أرى بكثير من الوضوح أن الوجود واجب التفكير " وتصلح قاعدة البداهة والوضوح لاختبار الأفكار البسيطة ، أما إذا كانت الأفكار مركبة فيخضعها الى القواعد الثلاث الأخرى وهي التحليل والتركيب والإحصاء . بهذا أصبح ديكارت رائد الحركة العقلانية التي أغوت فلاسفة آخرين مثل ليبنتز و سبينوزا و مالبرانش مؤكدين على أولية العقل ومبادئه الفطرية في إنشاء المعرفة.
مناقشة : صحيح أن العقل قدرة إنسانية ضرورية لإنشاء المعرفة وإدراك ما حولنا من ظواهر ؛ فيكفي أن نتأمل الرياضيات وما وصلت إليه من حقائق في غاية الدقة واليقين لنجزم بفعاليته ، لكن حصر مصدر المعرفة في العقل أمر مبالغ فيه. فالأحكام العقلية لم تنشأ من فراغ فهي تستند الى خبرة الشخص وتجاربه لهذا نجدها تتغير بتغير الزمان والمكان . ولوكان العقل قدرة فطرية مشتركة بين الناس لتساووا في المعرفة فالناس يختلفون في أحكامهم واستدلالاتهم حول مختلف المواضيع الأخلاقية ، السياسية وغيرها . وقاعدة البداهة التي اتخذها ديكارت معيارا لصحة الأفكار غامضة، فالبديهي هو عادة المألوف و ما يتفق مع تربيتنا وميولنا واتجاهنا الفكري ، لهذا ترفض الأفكار والنظريات الجديدة رغم أنها مؤسسة و مبرهنة ، وما عرفته المبادئ الرياضية لاحقا خير دليل على ذلك ، فلم يعد هناك بديهيات بل مجرد فرضيات تختلف من نظام رياضي لآخر .
نقيض الأطروحة : وفي إنجلترا انتفض فرنسيس بيكون (1626-1561 ) ضد الفكر السائد داعيا الى قذفه بعيدا و نسيانه و منتقدا صورية المنطق الأرسطي في كتابه الأورغانون الجديد ، مؤسسا بذلك مرجعية جديدة هي مرجعية التجربة. والتجربة كمعنى عام هي الإختبار الذي يوسع الفكر ويغنيه ، وكمعنى خاص هي المعارف الصحيحة التي يكتسبها العقل بتمرين ملكاته المختلفة لا باعتبار هذه المعرفة داخلة في طبيعة العقل ، بل باعتبارها صادرة من خارجه و دعا فرنسيس بيكون الى تطهير العقل من الأوهام خاصة أوهام القبيلة ؛ وهي المعارف التي يتلقاها الإنسان من مجتمعه و لوك (1632 - 1704) ليس في العقل شيئ إلا وقد سبق وجوده في الحس " فهو يرفض القول أوهام المسرح ويقصد بها تقديس القدماء و الثقة العمياء في أرائهم . ويسلم التجريبيون بأن العقل صفحة بيضاء خالية من أي مبادئ فطرية وأن التجربة الحسية هي مصدر جميع المعارف يقول جون بوجود أفكار فطرية مستدلا بغياب المعرفة المجردة عند الطفل والرجل البدائي . و مؤكدا مرجعية التجربة كمصدر للمعرفة واستخلاص القوانين الطبيعية . ويبرر لوك موقفه أيضا بأننا ندرك المحسوس قبل المجرد و نافيا القول أننا نستنتج الخاص من العام كما نفعل في القياس الأرسطي. ولعل أهم حجة تبرر الأخذ بمرجعية التجربة أن الحواس هي نوافذنا على العالم الخارجي فبحاسة العين نرى الألوان وبالأذن نسمع الأصوات وبالأنف نشم الروائح . ولهذا يعد فقدان الحاسة من الحواس هو فقدان للمعاني المتعلقة بها . يؤكد جون لوك أهمية الحواس بالنسبة للعقل قائلا : الحواس والمدارك هما النافذتان اللتان ينفذ منهما الضوء الى الغرفة المظلمة" و بهذا استطاع الفلاسفة الإنجليز إرساء مرجعية التجربة التي فتحت الباب على مصرعيه أمام معرفة العالم الخارجي و استخلاص قوانينه بفضل المنهج التجريبي الإستقرائي واستثمار نتائجه للسيطرة على الطبيعة وتسخيرها لصالح الإنسان ف " المعرفة قوة " كما يقول فرنسيس بيكون .
مناقشة : لا ينكر دور الحواس في المعرفة الا جاحد ، فهي نوافذنا على العالم الخارجي كما ذكرنا سابقا لكن الفلاسفة التجريبين رفعوا من شأن الحواس و قللوا من شأن العقل فالحواس ضرورية لكنها غير كافية ؛ لأن الحيوان يمتلك جهاز حسي متطور لكنه لا يملك معرفة ، ولو اكتفينا بالمعطيات الحسية لكانت معارفنا بسيطة سطحية وساذجة . ضف الى ذلك أن الحواس تقدم معطيات ناقصة ومشوهة تحتاج الى تدخل العقل لتصحيحها وإكمالها فنحن نرى الشمس بحجم الدينار لكننا بالعقل نعلم أنها أكبر بكثير ونرى العصا المغموسة في الماء معوجة لكننا نعلم أنها ليست كذلك . والقوانين المستخلصة من الطبيعة ليست ثمرة عمل حسي خالص بل هي ثمرة عمل الحواس ( الملاحظة ، التجربة ) والعقل ( الفرضية ) معا.
التركيب :
إن مرجعية العقل بزعامة ديكارت قدست العقل وقللت من شان الحواس ، و بالغت مرجعية التجربة بزعامة بيكون ولوك في إبراز فاعلية الحواس على حساب العقل ، وهذا الإحراج الفلسفي دفع بالفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ( 1724 - 1804 ) الى نقد العقل بحثا عن الشروط الضرورية للمعرفة ، وتوصل بمذهبه النقدي الى تهذيب التنافر بين العقليين والتجريبيين معتبرا المعرفة هي تفاعل وتكامل بين شرط عقلي صوري و شرط تجريبي مادي فالمفاهيم العقلية دون الحدوس الحسية جوفاء والحدوس الحسية دون المفاهيم العقلية عمياء مثل قالب الحلوى الذي نستخدمه في أعياد الميلاد ؛ يأخذ شكله من القالب الفارغ ، ويأخذ طعمه من مكونات العجينة كذلك المعرفة ، فهي تستند الى الأطر القبلية الصورية التي يتضمنها العقل ، كمبدأ السببية مثلا و تستند أيضا إلى المعطيات الحسية البعدية كظاهرة سقوط الأجسام وتفاعل هذين الشرطين نتج عنه إكتشاف الجاذبية.
حل المشكلة:
إن الفلسفة الحديثة كإنتاج فكري إنساني تظهر من جهة وحدة الفلسفة من خلال النزعة الشكية والنقدية اتجاه المعارف السابقة فشك سقراط يتكرر في الفلسفة الإسلامية مع أبي حامد الغزالي و هو ما عبر عنه ابن طفيل بقوله إن من لم يشك ، لم ينظر ، ومن لم ينظر لم يبصر ، ومن لم يبصر بقي في العمى والحيرة " وهذه النزعة جمعت أيضا بين ديكارت وفرنسيس بيكون ليضعا مرجعيات جديدة تدفع بالمعرفة الى اختراق آفاق وأبعاد أوسع . لكنها تتميز عن باقي الفلسفات بتنوع مذاهبها و توجهاتها وأصالة مناهجها وتظهر خصوصيتها في تركيزها على تحصيل المعرفة بالعقل والتجربة معا.