في تصنيف أخبار بواسطة (1.4مليون نقاط)

هل تتحقق العدالة الإجتماعية من خلال تبني الديمقراطية السياسية أم الإجتماعية؟

هل غاية الديمقراطية هي تحقيق الحرية ؟

هل تتحقق العدالة الاجتماعية من خلال تبني الديمقراطية الليبيرالية أم الاشتراكية ؟ ؟

طرح المشكلة :

الإنسان كائن سياسي بطبعه ، فهو وبحكم وجوده الطبيعي لا يستطيع أن يتنازل عن وجود قوانين تحدد الحقوق والواجبات والعلاقات بين الأفراد ، ولهذا فالظاهرة السياسية تحتل منزلة كبيرة في الفكر السياسي والفلسفي نظرا لما لها من أهمية كبرى في تحديد مصير الشعوب ، والناظر والمتفحص لتاريخ ممارسة السلطة السياسية يلمح لا محالة أن نظام الحكم الفردي والذي يتأسس على سلطة الفرد الواحد قد كان أول شكل من أشكال أنظمة الحكم ظهورا ، ومع تطور المجتمعات الإنسانية برز نظام الحكم الجماعي أو النظام الديمقراطي الذي يستلهم من سلطة الجماعة مبادئه وأسسه ، فالديمقراطية بالانجليزية Democracy : أصلها باليونانية DemosKratia ، حيث تتكون الكلمة من جزأين : الجزء الأول من كلمة ديموس Demos باليونانية معناها : عامة الناس ، أو الشعب ، والجزء الثاني كراتوس Kratia أو Kratos وتعني حكم ، فيُعطى مجموع الكلمة معنى حكم الشعب ، أو حكم عامة الناس ، وقد شكلت الغاية الذي تقوم عليه الديمقراطية محور جدال بين الفلاسفة والمفكرين وعلماء السياسة ، فالبعض ينظر إلى الديمقراطية من زاوية سياسية خالصة ويعتبر بأن الديمقراطية الليبيرالية هي التي تحقق الغاية من وجود الدولة ، والبعض الآخر ينظر إليها من زاوية اجتماعية محضة ، ويؤكد على أن الديمقراطية الاشتراكية القائمة على المساواة هي أفضل نظام يحقق العدالة الاجتماعية ، وأمام هذا الجدال الفلسفي وجب طرح الإشكالية التالية : 

هل الديمقراطية الحقة هي التي تقوم على الحرية السياسية أم التي تقوم على المساواة الاجتماعية ؟ 

وبتعبير آخر : هل الديمقراطية تقوم على فكرة الحرية أم على فكرة المساواة ؟

محاولة حل المشكلة:

الموقف الأول :

تحقيق العدالة وتجسيد الغاية الحقيقية للدولة مرهون بإقرار الديمقراطية السياسية وتبنى فكرة الحرية ، وهذا ما أكده أنصار النظام الليبيرالي بزعامة هنري ميشال وكيلسون ، فالأفراد متساوون سياسيا أمام القانون ، وعلى الدولة الاعتراف بجميع مواطنيها أمام القانون ، وفتح مجال التعددية الحزبيية والتناوب على السلطة وضمان حق المعارضة ، فالديمقراطية السياسية هي أفضل نظام سياسي ، فصورة الحكم الديمقراطي وغايته هو تحقيق الحرية السياسية بين جميع المواطنين وضمان الحريات السياسية للأفراد وإقرار جميع حقوقهم ، وهذا لتجسيد المواطنة وتحقيق العدالة ، فالحرية السياسية هي غرض الديمقراطية ، فالفرد حر وكلمته مسموعة ورأيه محترم في توجيه الحياة العامة ، وهذا من خلال المشاركة الفعالة في سن القوانين عن طريق الانتخابات ، واختيار من يمثله ويحكمه بكل حرية ، ومن هنا يقول هنري ميشال : " إن الغاية من الديمقراطية هي الحرية " . وهذا يدل على أن الدولة انشقت من إرادة الأفراد الذين يكونون إرادة الشعب في الحكم الليبيرالي في المجالين الاقتصادي والاجتماعي ، وهذا ما يجعلنا أن نأخذ بالمبدأ القائل : " اجعلني حرا أصنع لك بخيالي ما تريد ، دع الكلمة تخرج من لساني بكل حرية أريك ما يجب أن تقوم به وأقومك فيما أخطأت فيه ، اجعل رأيي حرا في الصحافة والعمل السياسي أهديك أمنا واستقرارا ، وأبعد عنك الغرور والتلاعب بمصلحة الناس وأحررك من كل الضغوطات ". 

كم تؤكد الديمقراطية الليبيرالية على حكم الأغلبية التي تحكم بواسطة نوابها المنتخبون ، وتحترم في نفس الوقت وجود المعارضة وحقها في المراقبة والاعتراض وفق القانون ، ومن هنا فجوهر الديموقراطية هو الحرية في جميع المجالات ، ففي المجال السياسي نجد أن الفرد له الحق في المعارضة وانشاء الأحزاب والجمعيات أو الانخراط فيها ، وكذا المشاركة في اتخاذ القرارات عن طريق النواب الذين ينتخبهم لتمثيله والتعبير عن إرادته ، وفي المجال الاقتصادي نجد أن الفرد له الحرية في التملك ، الإنتاج ، التسويق والاستثمار دون تدخل الدولة ، لأن وظيفة الدولة سياسية تتمثل بالخصوص في ضمان وحماية الحريات والحقوق الفردية ، وتدخلها معناه تعديها على تلك الحريات والحقوق ، أما في مجال الحريات الفكرية والشخصية فنجد أهذا النظام يعمل على إقرار حق الفرد في التعبير وضمان سرية الاتصالات والمراسلات ، بالإضافة إلى حرية الاعلام والصحافة والدفاع عن حقوق الانسان والمرأة والطفل ... الخ ، كما تهدف الديمقراطية الليبيرالية إلى ضمان الحرية في الدين والعقيدة ، بالإضافة إلى ذلك ، فهي تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات ، مما يعني أن القضاء مستقل ، ومن شأن ذلك أن يحقق العدل بين الأفراد ، حيث يقول كيلسون في هذا المنوال : " إن فكرة الحرية هي التي تحتل الصدارة في الأيديولوجيا الديمقراطية وليست فكرة المساواة ".

نقد وتقييم :

رغم إيجابيات هذا النظام إلا أنه يعتريه النقص ، وهذا ومن حيث أن الحرية التي ينادي بها هؤلاء حرية شكلية مزيفة وليست حقيقية ، وهي حرية نصوص وشعارات وليست حرية واقع ، وما هي إلا أضلولة برجوازية تعبر عن مصالح الطبقة الرأسمالية المالكة لوسائل الإنتاج ، فالطبقة المسيطرة اقتصاديا هي المسيطرة سياسيا ، كما أن الحرية السياسية والفكرية لا تعني شيئا لمواطن لا يكاد يجد قوت يومه ، وبالتالي فالادعاء بالمساواة بين المواطنين أمام القانون ما هي إلا خديعة ، فقد أدت إلى سيطرة الأغنياء وأصحاب رؤوس الأموال على النفوذ السياسي ومراكز القرار وتوجيه لخدمة مصالحهم ، مما أدى هذا إلى ظهور الطبقية نتيجة اهمال هذا للمساواة الاجتماعية،

الموقف الثاني :

من جهة أخرى ، يؤكد العديد من الفلاسفة والسياسيين بزعامة ماركس ، انجلز و روزنتال أن النظام السياسي الذي من شأنه أن يقضى على كل مظاهر الاستغلال هو إقرار الديمقراطية الاشتراكية الاجتماعية ، والتي هي الديمقراطية الحقة التي تحقق المساواة والعدل وتجسيد الغاية التي وجدت من أجلها الدولة ، وهذا لأن أساسها هو المساواة الاجتماعية عن طريق القضاء على الملكية الفردية - والتي أدت إلى بروز الطبقة البرجوازية - وقيام ملكية جماعية يتساوى فيها الجميع بتساويهم في ملكية وسائل الانتاج ، ومن هنا فالديموقراطية الاشتراكية تنادي بضرورة تدخل الدولة في إقرار مبدأ تكافئ الفرص بين كل الأفراد مما يؤدي إلى القضاء على كل مظاهر الظلم والاستغلال ، وهي تسعى إلى تحقيق العدالة والمساواة ، فهي التي يمارس فيها الأفراد الحكم تحت ظل حزب واحد واقتصاد موجه من الدولة ، وصحافة مراقبة واعتقاد تابع للدولة ولا توج أي معارضة ، كما يهدف هذا النظام إلى القضاء على كل مظاهر الاستغلال وتحرير المجتمع من كل الآفات الاجتماعية ، وذلك عن طريق الاهتمام بما يصلح شؤونهم الاجتماعية ويبعد عنهم كل أنواع التهميش ، ومن هنا كانت الديموقراطية الاجتماعية أفضل نظام سياسي ، وهي على حد تعبير روزنتال في موسوعته الفلسفية : " تضمن حقوق المواطنين من الناحية التشريعية بضمانات مادية " . ففي المجتمع الاشتراكي ليس حق العامل حقا معلنا فحسب ، ولكنه معتمد تشريعيا ومضمون على نحو فعال بفعل إزالة الاستغلال وإلغاء البطالة وانعدام أزمات الإنتاج ، وبالتالي فالمجتمع الوحيد الذي تزدهر فيه الديمقراطية هو ذلك الذي اعتمد العدالة في توزيع الثروة ، وحقق المساواة الاجتماعية وقضى على استغلال الانسان للإنسان ، ومن هنا يقول كارل ماركس :

" المساواة عنوان العدالة الاجتماعية " . 

فالمهم إذن بالنسبة للدولة الاشتراكية ليس تسجيل حقوق المواطنين في النصوص والدساتير ، وإنما المهم هو رفع المستوى المادي والفكري لهم ، وكل ذلك يزيل أسباب الصراع ويحقق استقرار الدولة وازدهار المجتمع ، كما أن الديمقراطية الاجتماعية ترمي إلى الربط بين العمل السياسي والعدالة الاجتماعية ، ومن أجل تحقيق هذا الهدف اعتمدت على مجموعة من القواعد أهمها : الاعتماد على سياسة الحزب الواحد ، وهذا الحزب يلعب دور الموجه والمراقب ، ومهمته الأساسية خلق الوحدة الوطنية ووحدة الطبقة العاملة ، ومن هنا يقول لينين : أحد " سيقوم الجميع في ظل الاشتراكية بالحكم كل في دوره ، وبالتالي يعتادون أن لا يحكم ) وهذا من خلال تركيز جميع الجهود في مسار واحد وهو الفكر الاشتراكي بدل تشتيت القوى كما هو حاصل في الديمقراطيات الأخرى القائمة على البرجوازية المستغلة من أصحاب رؤوس الأموال ، فجوهر العمل السياسي هو خدمة الشعب وازالة الفوارق الاجتماعية والغاء مبدأ المعارضة السياسية لأنها تؤدي إلى الصراعات والانقسامات ، حيث يقول ماركس : " ليس الوعي العام للناس هو ما يحدد وجودهم ، ولكن الوجود الاجتماعي هو من يحدد وعيهم ".

نقد وتقييم :

لا يمكن إنكار دور المساواة في تجسيد وتحقيق الديموقراطية ، ولكنها تبقى دعوى نظرية كتبت في النصوص القانونية والدساتير لا غير ، كما أن استقراء التاريخ يثبت فشل وسقوط أغلب الديمقراطيات الاجتماعية ، وأيضا أن القضاء على الحرية وتقييدها يؤدي إلى قتل المواهب وغياب المبادرات الفردية ، وكذلك يؤدي إلى تفشي روح الاتكال وتبدد الثروة وركود المجتمع في جميع مجالاته.

التركيب :

من خلال ما سبق يمكننا القول بأن المجتمع الذي يتوخى فيه العدل هو المجتمع الذي يتبنى الديمقراطية في مجال الحرية والمساواة معا ، وهذا ما أكده لاكومب ، أي تلك الديمقراطية التي ينبغي لها أن تهتم بالجانب السياسي فتضمن الحريات للأفراد وتحمي حقوقهم ، كما ينبغي لها أيضا أن تهتم بالجانب الاجتماعي فتعمل على إقامة مساواة فعلية حقيقية بينهم ، فتتحقق بذلك العدالة وتتجسد وظيفة وغاية الدولة ، فالجانب السياسي للديمقراطية يعني أن الشعب الحق في المشاركة في الحكم ويضمن الحريات العامة ، أما الجانب الاجتماعي يعني القضاء على كل تفاوت طبقي وكل أنواع الحرمان والاستغلال ، وعليه فالديمقراطية الحقة هي التي تضمن الحرية والمساواة معا.

( يمكن للتلميذ التجاوز بالنظام الإسلامي )

حل المشكلة :

نخلص في الأخير إلى الديمقراطية ليست رأسمالية ولا اشتراكية ، ومن الخطأ الفادح والضرر المؤلم الذي نلصقه بالديمقراطية هي محاولة تحقيق الحرية ونبذ المساواة ، أو تحقيق المساواة ونبذ الحرية ، فالديمقراطية الحقة لا تفرض على المرء كيف يعيش أو كيف يجب أن يرى الحياة ، وإنما عليها أن تدفع عنه العقبات وتوفر له شروط الحياة ، وأن تتيح له فرصة العمل في جو كريم يستطيع أن يعيش منه قبل أن يستطيع الإدلاء بصوته ، فالديمقراطية إذن نضال الدولة لتحقيق التوفيق بين المبدأين السياسي والاجتماعي.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (1.4مليون نقاط)
 
أفضل إجابة
هل تتحقق العدالة الإجتماعية من خلال تبني الديمقراطية السياسية أم الإجتماعية؟

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى تفوقنا، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...