في تصنيف منوعات بواسطة (1.4مليون نقاط)

مقال جدلية حول العلاقة بين الإحساس و الإدراك شعبة آداب و فلسفة من المقالات المقترحة 2025 ؟

السؤال: هل يمكن الفصل بين الإحساس والإدراك؟

هل ثنائية الإحساس و الإدراك تقتضي الفصل بينهما؟

هل يوجد إحساس خالص منفصل عن الإدراك؟ 

هل الإحساس و الإدراك من طبيعة واحدة ؟

مقدمة :(طرح الإشكال)

منذ أن وجد الإنسان في هذا العالم و هو يسعى دائما إلى التكيف مع متطلباته و تغيراته وفهم و تفسير ظواهره و في سبيل ذلك يلجأ إلى آليتين مهمتين هما الإحساس و الإدراك و يعرف الإحساس على أنه مجهود أولي بسيط يتمثل في إستقبال المنبهات التي تقع على إحدى الحواس و نقلها إلى الحواس في شكل سيالة عصبية يتم معالجتها لتتحول إلى رد فعل مباشر قبل الوعي. بينما يعرف الإدراك على أنه مجهود عقلي معقد تتداخل فيه مختلف القدرات العقلية و الذهنية للإنسان من تذكر ،تخيل و إنتباه و من خلال تعريفهما يبدو لنا انهما مختلفان و لذلك فقد حدث جدال واسع بين المفكرين والفلاسفة حول طبيعة العلاقة التي تجمع بينهما حيث إنقسموا إلى تيارين متعارضين تيار يرى بان الإحساس و الإدراك متمايزان ويجب الفصل بينهما و تيار آخر يرى بأنهما متكاملان ولا يمكن الفصل بينهما.

وفي ظل هذا الجدال الواقع بينهم فإن الإشكال الذي يمكن طرحه هو: 

هل يمكن التمييز بين الإحساس و الإدراك ؟

أو بمعنى آخر هل العلاقة بين الإحساس و الإدراك هي علاقة إتصال أم إنفصال ؟

هل يحس الإنسان ثم يدرك أم أنه يحس و يدرك في نفس الوقت؟

العرض :( محاولة حل الإشكال)

عرض منطق الأطروحة : " يمكن الفصل بين الإحساس و الإدراك ".

إن الإحساس و الإدراك متمايزان و يجب الفصل بينهما لأنهما مختلفان من حيث الطبيعة و القيمة فالإحساس عملية فيزيولوجية اولية بسيطة تتم بطريقة عفوية آلية مرتبطة بالبدن أما الإدراك فهو عملية عقلية معقدة ومقصودة ترتبط بوظائف و آليات عقلية ونفسية عليا ويتبنى هذا الموقف الإتجاه الكلاسيكي (المذهب العقلاني و المذهب الحسي ) و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج و البراهين الآتية:

يؤكد أنصار النزعة العقلية على ضرورة الفصل بينهما نظرا للتباين الكبير الموجود بينهما فالمعرفة التي يمدنا بها الإحساس معرفة وهمية ونسبية في حين ان المعرفة الإدراكية تمتاز باليقين والدقة حيث بين ديكارت ان الأشياء البعيدة تبدو لنا بواسطة الحواس صغيرة الحجم لكننا بواسطة العقل ندرك حجمها الحقيقي وهناك أدلة كثيرة تبين مغالطات الحواس مثل العصا المغمورة في الماء, السراب لذلك يقول " إن الحواس خداعة ومن الحكمة ان لانثق بمن يخدعنا و لو مرة واحدة " وهذا ما أكده ( آلان ) في ادراك المكعب، فنحن عندما نرى الشكل نحكم عليه مباشرة بأنه مكعب ، بالرغم اننا لا نرى الا ثلاثة أوجه وتسعة اضلاع ، في حين ان للمكعب ستة وجوه و اثنى عشرة ضلعا ، لأننا نعلم عن طريق الخبرة السابقة أننا اذا أدرنــا المكعب فسنرى الاوجه والاضلاع التي لا نراها الآن ، ونحكم الآن بوجودها ، لذلك فإدراك المكعب لا يخضع لمعطيات الحواس ، بل لنشاط الذهن واحكامه لهذا يقول " إن الإدراك حكم عقلي " , يقول كذلك " الشيء يعقل ولا يحس "

ويؤكد ( باركلي ) ، أن الاكمه ( الاعمى ) اذا استعاد بصره بعد عملية جراحية فستبدو له الاشياء لاصقة بعينيه ويخطئ في تقدير المسافات والابعاد ، لأنه ليس لديه فكرة ذهنية او خبرة مسبقة بالمسافات والابعاد حيث يقول " إدراك المسافات حكم يستند إلى التجربة و الخبرة في توجيه الإدراك" كما يؤكد كانط أن العين لا تنقل نتيجة الإحساس إلا بعدين من الأبعاد هما الطول و العرض عند رؤية صورة أو منظر مثلا و رغم ذلك ندرك بعدا ثالثا و هو العمق إدراكا عقليا فالعمق كبعد ليس معطى حسي بل حكم عقلي. 

فالإحساس مجرد إنطباع أولي بسيط يتم عن طريق إحدى الحواس أما الإدراك فتتداخل فيه مختلف القدرات العقلية للإنسان من إرادة وذكاء و إنتباه وذاكرة ... إلخ حيث يقول مين دي بيران" الإدراك يزيد على الإحساس بأن آلة الحس فيه تكون أشد فعلا و النفس اكثر إنتباها" و الأشياء وجدت لكي ندركها و نتعقلها و نعي الغرض منها لا أن نحس بها حسب مين دي بيران، كما إن الإدراك أرقى من الإحساس لأنه خاصية إنسانية ميزه الله بها عن سائر خلقه أما الإحساس فهو مشترك بين الإنسان و الحيوان حيث يقول أرسطو " فهما ليسا أمرا واحدا ذلك أن أولهما( الإحساس) تشترك فيه جميع الحيوانات. 

اما الثاني ( الإدراك) فهو خاص بالإنسان " كما بين أفلاطون قديما من خلال نظرية المثل ان المعرفة المطلقة هي التي يكون مصدرها العقل أما ما تمدنا به الحواس فهو مجرد محاكاة و صورة مزيفة لتلك المعرفة العقلية يقول سقراط " العقل مقياس كل شيء"

و يرى الحسيون أن الإحساس و الإدراك متمايزان لأن الإحساس سابق عن الإدراك و هو الذي يربط الإنسان بالعالم الخارجي و يحرره من قوقعة الذات فالعقل بمثابة الغرفة المظلمة والحواس هي النافذة التي يطل من خلالها على العالم الخارجي يقول ديدرو " حواسنا جسرنا نحو الأشياء " كما يرى لوك أن العقل يولد صفحة بيضاء و التجربة هي التي تكتب عليه ما تشاء ولا وجود لأفكار فطرية سابقة عن التجربة يقول لوك " لوكان الناس يولدون وهم مزودون بأفكار فطرية لتساووا في المعرفة" و يقول هيوم " لا يوجد شيء في الذهن ما لم يوجد من قبل في التجربة ".

إن أول المعارف التي يكتسبها الإنسان تكون عن طريق الحواس فالطفل لا يعرف أن النار تحرق مثلا إلا بعد ملامستها ولا يعرف طعم أكل معين إلا بعد تذوقه حيث يقول لوك " لو سألت الإنسان متى بدأ يعرف لأجابك متى بدأ يحس ".

نقد ومناقشة : 

رغم ان هناك إختلاف و تباين بين الإحساس و الإدراك إلا أن هذا التيار بالغ في رأيه فالفصل المطلق غير ممكن لأن بلوغ المعرفة و تحقيق التكيف يتطلب تكاملهما فالتكامل بينهما ضروري لان العقل قاصر في غياب حواس تمده بإنطباعات من الواقع و الحواس عاجزة في غياب عقل يفسر و يتأمل فالعملية الإدراكية تشترط المرور بالمرحلة الحسية و العملية الحسية لا يمكن لها أن تتحقق في غياب الإدراك العقلي.

عرض نقيض الاطروحة : " لا يمكن الفصل بين الإحساس و الإدراك".

إن الإحساس والإدراك عمليتين متصلين ولا يمكن الفصل بينهما لأن وظيفتهما واحدة و هدفهما واحد و هي تحقيق التكيف مع العالم الخارجي و تفسير ظواهره فهما بمثابة وجهين لعملة واحدة ويتبنى هذا الموقف الإتجاه المعاصر ( المدرسة الجشطالتية و الظواهرية) و يبرر هؤلاء موقفهم بالحجج و البراهين الآتية:

حيث يرى الجشطالتيون أنه لا يمكن التمييز بين الإحساس والإدراك لأنهما شيء واحد و أن هدفهما ووظيفتهما واحدة و هي إدراك العالم الخارجي يقول كوفكا " الإحساس و الإدراك عمليتين متصلتين ولا يمكن فصلهما " و يقول كوهلر "الإحساس و الإدراك عملة واحدة لا يمكن فصل وجهها عن ظهرها " و يرى الجشطالت أن الشكل أو الصيغة التي يكون عليها الموضوع هي التي تتحكم في العملية الإدراكية أي أن المؤثرات الخارجية هي التي تحدد طبيعة إدراكنا و هو ما يعرف بقوانين الإنتظام و أولها عامل الشكل والأرضية حيث ندرك الأشكال أولا ثم الأرضية بعد ذلك ، لأن الشكل يكون أكثر وضوحا وأسهل للإدراك من الأرضية، فالوردة المرسومة على القماش شكل أوضح . 

من الأرضية التي هي القماش يقول كوهلر " إن شكل الموضوع و بناؤه العام هو الذي يحدد عملية الإدراك ".

وكذلك عامل التقارب: 

حيث أن الأشياء المتقاربة في الزمان أو المكان يسهل علينا إدراكها كصيغة متكاملة، فنحن ندرك كراسي حجرة الجلوس كوحدة متكاملة نتيجة تقاربها.

عامل التشابه: 

فنحن ندرك الأشياء المتشابهة بسهولة كصيغ كلية مثل مجموعة من الأرقام المتشابهة.

عامل الإنتظام: 

فالأشياء المنظمة ندركها إدراكا كليا عكس الأشياء المبعثرة فالكتب المنظمة والمرتبة ندركها على انها مكتبة و كذلك عامل البروز فالصور والأشياء البارزة تكون أولى بالإدراك من غيرها فالنجمة الساطعة في السماء ندركها قبل غيرها يقول كوفكا " إن عامل الإنتظام والبروز كافي لعملية الإدراك".

عامل الإغلاق: 

فنحن في ادراكاتنا نميل إلى سد الثغرات أو النقائص أو التغاضي عنها، فندرك الأشياء الناقصة كما لو كانت كاملة، فالدائرة الناقصة في بعض أجزائها ندركها كاملة.

كما ترفض المدرسة الظواهرية الفصل بين الإحساس و الإدراك و تنتقد التفسير الذهني الذي يعتبر الإدراك حكما عقليا خالصا وترى أن هذا التفسير مجرد ترف فكري لا طائل منه و تؤكد على أن الإدراك حالة نفسية تابعة للشعور تتغير بتغير أحواله حيث يرى هوسرل أن عملية الإدراك تتجلى في التأثير المتبادل بين الشعور والموضوع و مادامت الأشياء الخارجية تتميز بالثبات و الشعور في تغير مستمر فإن إدراكنا للأشياء يختلف بإختلاف أحوالنا النفسية ففي حالة الحزن نرى العالم كئيبا و في حالة الخوف نراه مرعبا وفي حالة الفرح نراه جميلا فلا خوف بدون شيء مخيف ولا حزن بدون شيء محزن فالتغير و الإستمرارية من خصائص الشعور لذلك فإدراكنا للأشياء الخارجية لابد أن يتغير بتغير شعورنا ، و إن كانت هذه الأشياء في حد ذاتها ثابتة فمثلا إدراك الإنسان لأسد في قفص في حديقة الحيوانات يختلف عن إدراكه له في الغابة و هذا ما أوضحه هوسرل في قوله " أرى بلا إنقطاع هذه الطاولة سوف أخرج و أغير مكاني و يبقى بلا إنقطاع شعور بالوجود الحسي لطاولة واحدة هي في ذاتها لم تتغير وان إدراكي لها ما فتئ يتنوع انه مجموعة من الادراكات المتغيرة " ويقول ميرلوبونتي " فكل شعور هو شعور بشيء ما ".

وعليه فلا يوجد فاصل بين الإحساس و الإدراك ولا يمكن الحديث عن تأسيس معرفة في غياب أحدهما فالإحساس هو إدراك منذ البداية و الإدراك هو تفسير لمجموعة من الإحساسات يقول ريد " الإدراك هو إحساس مصحوب بالإنتباه "و يقول الجرجاني " الإحساس هو إدراك الشيء بإحدى الحواس ".

مناقشة:

حقيقة هناك إتصال بين الإحساس والإدراك فهدفهما واحد إلا أن هذا الربط المطلق بينهما مبالغ فيه فنحن نشعر بأسبقية الإحساس فينا ولو كانا شيئا واحدا لإكتفينا بأحدهما كما أن ما يعاب على الجشطالت هو أنهم ركزوا على الموضوع و أهملوا دور العقل و جعلوا منه مجرد متلق سلبي عاجز عن أي تأويل أما الظواهريون فقد غلبوا الشعور في عملية الإدراك و هذا معناه الإبتعاد عن الموضوعية نظرا لتعدد الذوات المدركة.

التركيب:

يمكن القول أن العلاقة بين الإحساس والإدراك هي علاقة تكامل و تباين في الوقت نفسه فهما مختلفان من حيث الدرجة و الطبيعة فالإحساس عملية أولية بسيطة أما الإدراك عملية عقلية معقدة تتداخل فيها مختلف القدرات الذهنية للإنسان والتجربة الفردية تثبت أن الإنسان في اتصاله بالعالم الخارجي وفي معرفته له ينطلق من الإحساس بالأشياء ثم ينتقل إلى مرحلة التفسير والتأويل. كما أنهما متكاملين من حيث الوظيفة والهدف لأن العملية المعرفة تشترطهما معا وعليه فلا فصل مطلق ولا تكامل تام بينهما يقول كانط "لولا الإحساس لما أدركنا أي موضوع، و لولا الذهن لما تذهننا أي موضوع فلا الذهن يستطيع أن يتذهن شيئا ، و لا الحواس تستطيع أن تتذهن شيئا، إن المعرفة لا تحصل إلا بإتحادهما".

خاتمة:( حل الإشكال) :

و في الأخير يمكن أن عملية فهم وتفسير العلم الخارجي تتم بواسطة عاملين هما الإحساس و الإدراك فرغم أنهما ظاهرتين مختلفتين سواء في المصدر حيث أن الإدراك عملية عقلية بينما الإحساس يتم بالحواس أو في الطبيعة حيث أن الأولى معقدة بينما الثانية بسيطة أولية، لكن هذا الاختلاف لا يعني أبدا الانفصال بل إنهما متكاملان ومتواصلان ضمن نسق المعرفة الإنسانية فلا يمكن الاستغناء على أي واحد منهما لذلك فيمكن اعتبارهما وجهين مختلفين لعملية نفسية إنسانية واحدة، فهذا الفصل المطلق بينهما فرضته مقتضيات مذهبية لا أكثر ذلك لان الواقع يثبت أن فصلهما عن بعضهما يعطينا معرفة ناقصة حيث يقول كانط " إن المقولات العقلية بدون المعطيات الحسية جوفاء و المعطيات الحسية بدون المقولات العقلية عمياء".

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (1.4مليون نقاط)
 
أفضل إجابة
هل يمكن الفصل بين الإحساس والإدراك؟

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى تفوقنا، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...