خطبة ماهر المعيقلي في الحرم المكي اليوم 1445
خطب الشيخ ماهر المعيقلي مكتوبة
خطبة الجمعة اليوم من المسجد الحرام مباشر 1445
مقتطفات من خطبة الجمعة 24 محرم 1445ه من منبر المسجد الحرام لفضيلة الشيخ ماهر المعيقلي
”ربَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وَذُريَّاتِنَا قُرَّةَ أَعَيْنِ "
إن بقاء المرء في الدنيا له أمد محدود، وأجل معدود، والعمر قصير، والانتقال إلى الدار الآخرة قريب، فمن الناس من يموت، فينقطع عمله وتطوي صحيفته، ومنهم من يبقى أثره ويدوم عمله فيثقل ميزانه بما قدم من عمل، وبآثار تبقى له بعد انقطاع الأجل. « إنا نحن نحي الموتى ونكتب مَا قَدَمُوا وَءَاثرهُمْ وَكُلِّ شَيْءٍ أحصينه في إمام مبين ».
وإن من الآثار التي لا ينقطع أجرها بانقطاع الأجل الولد الصالح، فالولد الصالح من خير ما يدخره المرء لنفسه، في دنياه وأخرته، فأولاد الرجل من كسبه، وعملهم الصالح من عمله، ففي صحيح مسلم: أن رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَالَ: إِذا مَاتَ الإِنسانُ انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
الولد الصالح: زينة الدنيا وسرورها. وبهجتها وفرحتها تحبه ويحبك وتأنس به ويأنس بك وتأمره فيبرك، وإذا كبر سنك. ودق عظمك، عطف عليك، وأعانك على أمر دينك ودنياك، وكان خيراً لك في حياتك وبعد مماتك، وفي مسند الإمام أحمد: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك).
إن الولد الصالح يا عباد الله: يطلب بصلاح الوالدين، فهدايتهم بإذن الله سبب لصلاح أبنائهم، قال جل في علاه: وأما الجدار فكان لغُلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كثر لهما وكان أبوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ ربك أن يَبْلُغَا أَشُدَهُمَا وَيَسْتَخْرِجًا كثرهما رحمة من ربك . قال ابن عباس رضي الله عنهما: "حفظهما الله بصلاح والدهما"، فعلى الآباء والأمهات أن يكونا قدوة حسنة للأبناء والبنات، وخاصة في مرحلة الطفولة، فهي الأساس الذي يبنى عليه بقية حياتهم، وتتكون فيها سلوكياتهم، وهي فترة غرس القيم الفاضلة، والأخلاق النبيلة.
والخير كل الخير في التأسي بالمربي الأعظم بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم فهديه خير الهدي، وسنته أفضل السنن، فقد كان تعامله صلى الله عليه وسلم مع الأطفال مبنياً على الشفقة والرحمة، محبا لهم يحنو عليهم، يلين في معاملتهم ويشعرهم بحبه، ويعبر لهم عن ذلك بقوله، ففي الصحيحين: جلس النبي صلى الله عليه وسلم بفناء بيت فاطمة، فَقَالَ (أثم لكع، أتم لكم). يعني الحسن، فَجاءَ يشتد حتى عانقه وقبله، وقال: (اللهم إني أحبه، فأحبه وأحبب من يحبه). وفي سنن ابن ماجه: خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه إلَى طَعَامٍ، فَإِذَا حسين يلعب في السكة، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم أمام القوم، وبسط يديه، فجعل الغلام يفر هاهنا وهاهنا، ويضاحكه النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أخذه فقبله، وقال صلى الله عليه وسلم لرجل كان لا يقبل أولاده: (أو أملك لك أن نزع الله مِن قلبك الرحمة). رواه البخاري.
ما أجمل أن نربي أبناءنا على الصلاح، والسير معهم في طريق الفلاح بكل حلم ورحمة ورفق، فالصغير لا يدرك الواجبات والحقوق، والقيم والمعاني، والأصول والمبادئ وإنما يتلقى ذلك شيئا فشيئا عبر سنين حياته، ولا يعني ذلك، عدم الاهتمام بتصحيح أخطاء الصغار، ولكن يجب أن يكون التصحيح بأسلوب يبني ولا يهدم، ويؤدب ولا يثرب، ومن نظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وجد حرصه على تعديل السلوك، بأحسن الوسائل وأقومها، بلا إهانة ولا تجريح، ولا لوم ولا توبيخ. فهذا عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه، يذكر موقفا له مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: "كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَا غُلَامٌ سَمَ اللَّهَ وَكُل بيمينك، وكل مما يليك)، قال: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعد إن من عظيم فضل الله تعالى ورحمته بعباده، أن جعل الدعاء، من أفضل العبادات نفعا، وأعظمها أثرًا، فأمر عباده بدعائه، ووعد سبحانه بالإجابة، فضلاً منه وكرما، ومنة وجودا، وقال ربكم ادعوني أستجب لكُم، فلدعاء الوالدين أثر كبير في صلاح الأبناء والبنات، وهو أحد ثلاثة دعوات مستجابات، قال رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ثَلَاثَ دَعَوَاتِ يُستَجَاب لَهُنَّ لَا سُكَ فِيهِنَّ دَعوة المظلُومِ، ودعوة المُسافر، ودعوة الوالد لولده)، رواه ابن ماجه، فدعاء الآباء للأبناء منهج الرسل والأنبياء والصالحين من عباد الله.
وليحذر الوالدان، من الدعاء على أولادهم، ولو أغضبوهم بل يدعون لهم بالصلاح والاستقامة، ويسألون الله لهم الرشد والهداية، ففي صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تدعوا على أنفسكم وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لَا تَوافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم)). فكم من دعوة خرجت من أب أو أم. على أحد أبنائهم، فوافقت ساعة إجابة: فلربما كانت سببا في فساده وهلكته، نعوذ بالله من مقته وغضبه.