هل مراعاة المنطق الصوري وشروطه تقي العقل من الوقوع في الأخطاء؟
مقالة خاصة بالمنطق الصوري انطباق الفكر مع نفسه -بالطريقة الجدلية -
هل مراعاة المنطق الصوري وشروطه ،تقي العقل من الوقوع في الأخطاء ؟
طرح المشكلة :إن التفكير السليم يستدعي مراعاة جملة من القواعد التي تحمي العقل من الوقوع في الخطأ والمنطق هو من يحدد هذه القواعد ،لذا يعتقد أنصار المنطق الصوري أن الالتزام بقواعد المنطق الصوري تمنع العقل من الوقوع في الزلل.أما أنصار المنطق المادي فيرون بان مراعاة شروط الاستقراء التجريبي هي من تجعل العقل في تماسك ووفاق .وهذا التعارض هو ما يدفعنا إلى حقيقة التساؤل التالي :
هل فعلا المنطق الصوري يعصمنا من الخطأ ؟
محاولة حل المشكلة :
الأطروحة : الأولى :رأى أنصار المنطق الصوري أن هذا المنطق هو العلم الذي يعتني بصورة الاستدلال لا بمحتواه أي يعتني بتحديد الشروط والقواعد التي تساعد العقل على الانتقال من المقدمات إلى ما يلزم عنها من نتائج دون أن يقع في تناقض مع نفسه .ولهذا قال عنه أرسطو :"انه الآلة التي تعصم العقل من الخطأ " .والخطأ بالنسبة للمنطق الصوري ليس سوى عدم انسجام المقدمات مع نتائجها ،وبالتالي عدم مطابقة العقل لذاته بحيث يكون العقل مطابقا لذاته من خلال معرفته لوحدات الفكر المنطقي وقواعده ، والحرص عمليا على توافق النتائج مع المقدمات فإذا كان الغرض من التفكير في مسالة من المسائل ضبط التصور ،لزم احترام قواعد التعريف أي أن يكون معبرا عن ماهية الشيء ، وذلك بذكر صفاته الجوهرية ،كان يكون بالجنس القريب والفصل النوعي وان يكون التعريف جامعا مانعا وذلك حتى يكون المفهوم الوارد في التعريف مطابقا للماصدق الذي يعبر عنه .أما إذا كان الغرض تبرير تصديق "برهنة" وجب احترام قواعد الاستدلال سواء المباشر أو غير المباشر ، وأول ما يجب احترامه في الاستدلال كله هو مبادئ العقل كمبدأ الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع ، وخاصة مبدأ عدم التناقض لان مدلول المفاهيم يمكن أن يتغير في كل لحظة ، وهذا معناه انه لا يمكننا أن نقول كلاما متماسكا .وهو الأساس الذي يقوم عليه الاستنتاج الصوري والرياضي.ثم احترام القواعد الخاصة بكل استدلال ففي العكس"وهو استنتاج قضية من أخرى تخالفها في موقع كل من الموضوع والمحمول " يجب مراعاة قاعدتين أن يتحدا "القضية وعكسها" في الكيف بان يكون كيف المعكوسة هو كيف الأصلية وان لا يُستغرق حد في المعكوسة لم يكن مستغرقا من قبل في الأصل .أما في القياس يجب الالتزام بجملة من القواعد التي يمكن تلخيصها في قواعد الأشكال ،وشكل القياس يتوقف على موقع الحد الأوسط من المقدمتين :فإذا كان الحد الأوسط موضوعا في الكبرى ومحمولا في الصغرى ،كان الشكل الأول ؛وإذا كان محمولا في كلتا المقدمتين كان الشكل الثاني ؛وإذا كان موضوعا في كلتيهما،كان الشكل الثالث ؛أما الشكل الرابع فهو عكس الشكل الأول وهو ليس من وضع أرسطو وذهب أرسطو إلى أن القياس ليس كله برهانا .
ولهذا اشترط في مقدمات القياس الصحيح :أن تكون حقيقية وان تكون أولية وبديهية ،وإلا احتاجت بدورها إلى برهان وأخيرا أن تكون اسبق من النتيجة وأبين منها وحُددت قواعد أشكال القياس على النحو التالي :للأول قاعدتان ،الأولى أن تكون الصغرى موجبة ، والثانية أن تكون الكبرى كلية وللشكل الثاني قاعدتان، الأولى أن تكون إحدى المقدمتين سالبة، والثانية أن تكون الكبرى كلية ؛وللشكل الثالث قاعدتان الأولى أن تكون الصغرى موجبة ، والثانية أن تكون النتيجة جزئية ؛وللشكل الرابع ثلاث قواعد ،الأولى إذا كانت الكبرى موجبة وجب أن تكون الصغرى كلية ،والثانية إذا كانت الصغرى موجبة ،وجب أن تكون النتيجة جزئية ، والثالثة إذا كانت إحدى المقدمتين سالبة ،وجب أن تكون الكبرى كلية .فإذا التزم العقل أثناء الاستدلال بالقواعد الضرورية له كان مطابقا لذاته وبالتالي يكون في مأمن من الأخطاء ،وما يصل إليه يمثل الحقيقة والعلم به هو اليقين .
النقد والمناقشة : لكن إذا كان المنطق الصوري لا يخلو من فائدة بحسب هذا الاعتقاد ،فانه في الحقيقة يصلح للمناقشة والجدل أكثر مما يصلح للبحث عن الحقيقة واكتشافها ؛ أي انه يكشف عن أخطاء العقل ولكنه لا يجنب العقل الوقوع في الخطاء وهذا ما أشار إليه هيجل في قوله :" إن المنطق الصوري يبحث في الحقيقة ولا يبحث عن الحقيقة " . هذا فضلا على انه ضيق لا يعبر عن كل العلاقات المنطقية ،وانه يكتفي فقط ، بالتحليلات الفكرية ،كما أن نتائج القياس لا تأتي بشيء جديد زايد على المقدمات وشرط الاستنتاج الصحيح هو أن ينتهي بنا إلى العلم.
لا إلى إعادة ما تتضمنه المقدمات:
إن المنطق الصوري أو التحليلي يستخدم اللغة الشائعة مثل قولنا في القياس المشهور "كل إنسان فان سقراط إنسان.إذن سقراط فان.يودي إلى مغالطات والتباسات وذلك بسبب ما تحمله هذه الألفاظ من معاني يقول بول فاليري :" ليس للمنطق إلا مزايا جد متواضعة حينما يستخدم اللغة العادية ،أي دون تعريفات مطلقة ".
الأطروحة الثانية :إن هذه العيوب التي حدت من قدرة المنطق الصوري على الوصول إلى الحقيقة وعصم العقل من الوقوع في الخطأ كانت دافعا لظهور أشكال أخرى للمنطق كالمنطق الرمزي"اللوجستيك" وفيه استعاض المناطقة عن ألفاظ اللغة بالرموز وتنوعت العلاقات المنطقية التي يدرسها .
والمنطق الجدلي الذي قام على مبدأ الحركة والتغير بدل مبدأ الثبات "مبدأ الهوية وعدم التناقض" لان هذا الأخير يعكس فكرا ساكنا لا يصلح للعالم الطبيعي والواقعي الذي لا يتوقف عن الحركة والسير . إن الحركية التي تتسم بها الحياة الخارجية تقوم على مبدأ التناقض أو التغاير يعني أن (ا ) لا يبقى (ا ) لأنه حتما ينتقل إلى (س ) أو (لا ا) الذي بدوره يتحول إلى كائن مغاير له ، وهكذا وبهذا يكون المنطق الجدلي احد أشكال المنطق المادي ، ومن الأشكال الأخرى المنطق الحديث أو التجريبي وهو يقوم على الاستقراء في مقابل القياس الذي يقوم على المنطق الصوري .
ويعرف فرانسيس بيكون الاستقراء بقوله :" استنتاج قضية كلية من أكثر من قضيتين ؛وبعبارة أخرى ،هو استخلاص القواعد العامة من الأحكام الجزئية ". وهو على نوعين تام وناقص أما التام فهو استقراء يقيني لأنه يقوم على استقراء لكل جزئيات موضوع البحث فهو :انتقال الفكر من حكم جزئي على كل فرد من أفراد مجموعة معينة إلى حكم كلي يتناول كل أفراد هذه المجموعة .وأما الناقص فهو غير يقيني وقد يكون معلل وقد يكون غير معلل فإذا كان معللا فهو الأكثر صدقا لأنه لا يقوم على أساس من التعليل ،وإنما فقط على الملاحظة ؛ كمعرفة صفة عرضية لبعض الجزئيات وتعميم هذه الصفة على جميع الجزئيات المشابهة لهل .والمنطق المادي أو التجريبي يتم من خلال جملة من الخطوات لكل منها شروطها التي تضمن سلامة الاستقراء وبالتالي مطابقة العقل للواقع وهذا معيار الحقيقة العلمية. وتبدأ هذه الخطوات بالملاحظة وهي توجيه الحواس والعقل نحوى الظواهر ، وتعتبر سلامة الحواس شرطا ضروريا لأداء عملها، إلا أن أداءها هذا محدود ولذلك فهي تحتاج إلى أن تكون مسلحة أحيانا بأجهزة تقنية متخصصة تتعلق برصد حودث العالمين : اللامتناهي في الكبر اللامتناهي في الصغر أو بقياسها على نحو كمي دقيق .ثم الفرضية وهبر على حد تعبير "ماخ" تفسير مؤقت لوقائع معينة .وحتى تكون الفرضية علمية يجب مراعاة جملة من القواعد أن تبدأ من واقعة مشاهدة ، وان تكون مما يقبل التحقق ،وخالية من التناقض، حتى تتبوأ مكانتها كخطوة رئيسية من خطوات المنهج التجريبي .ثم التجريب وهو ملاحظة الظواهر ضمن شروط اصطناعية .وله شروط وقواعد على المجرب أن يستعين بالآلات والأجهزة المعملية التي تزوده بنسب ودلالات محددة لتذليل العوائق ويرى بعض الدارسين أن التجريب يرتبط باستخدام الرياضيات وأساليب القياس الكمي .وحدد جون استوارت مل أربعة قواعد تتمثل في :التلازم في الحضور ،والتلازم في الغياب وطريقة البواقي والتلازم في التغير .
النقد والمناقشة :لكن ما الذي يضمن أن العقل يكون مطابقا للواقع؟.ثم إن التجريب يطلعنا على الظواهر لكنه لا يخبرنا شيئا عن العلاقات التي تؤلف بينها .وهذا يعني أن التجريب لا يمدنا بمعرفة واضحة ودقيقة إذا استند إلى مبادئ قبلية وصورية ،مثل مبدأ السببية والحتمية .
التركيب :نستنتج انه إذا كان المنطق الصوري لا يعصم العقل من الوقوع في الخطأ بقدر ما يكشف عن الأخطاء التي يقع فيها أثناء بحثه عن الحقيقة.
فهو بهذا لا يمدنا بعلم جديد على عكس المنطق المادي الذي يساعدنا في الوصول إلى معرفة علمية جديدة ، وهكذا يبدو من المنطقي وجود اختلاف وليس تناقضا فإذا كان المنطق الصوري يعتمد على القياس فهو يحتاج إلى الاستقراء لكي يحقق معرفة جديدة .وإذا كان المنطق المادي يعتمد على الاستقراء ،فهو لا يستغني عن القياس لان التنبؤ ما هو إلا صورة من صور القياس.
الخاتمة : وختاما يمكننا أن نقول إن المنطق المادي يساعد الإنسان على اكتساب معارف جديدة ولكن لا يتم له ذلك بعيدا عن مبادئ الفكر وقوانينه الأولية التي هي من شروط المنطق الصوري ،ومن ثم فان إنتاج العقل للمعرفة يكون باجتماع الأمرين معا ،وتكامل قواعد المنطق الصوري وقواعد المنطق المادي .إذن احترام قواعد المنطق الصوري دون مراعاة شروط المنطق المادي لا يجعلنا في مأمن من الخطأ.